الثلاثاء، 24 يناير 2017

المحفوظ الأول

تفسير سورة يوسف 1: رؤيا يوسف عليه الصلاة والسلام: 
قال تعالى: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ، وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ * إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِين * قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا، إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ، وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ؛ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ *) [سورة: يوسف - الآية: 1-6]
 (الر) حروف مقطعة تقرأ: أَلِفْ لاَمْ رَا، ومعناها: أن هذه الحروف حروف عربية أنزل بِها القرآن، وهي حروف يتكلم بِها العرب الذين نزل فيهم القرآن، ومع هذا لم يستطيعوا أن يأتوا بآية من مثله، فرجع مغزاها إلى التحدي والتعجيز (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ) أي هذه آيات الكتاب الواضح المعاني، أو الظاهر البين بإعجازه بأنه من الله، وأشير إليها بالبعيد لبيان بعد منْزلتها ومكانتها (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ) أي أنزلنا إليك الكتاب (قُرْآنًا عَرَبِيًّا) أي بلسان عربي، حيث أنزل بلغة القوم الذين نزل فيهم، (لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) لكي تفهموه وتتدبروه، وتعملوا بما يأمركم الله فيه، وتنتهوا عما نَهاكم عنه (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ) أي نخبرك ونحدثك (أَحْسَنَ الْقَصَصِ) القصص مصدر، أي أحسن الاقتصاص، ووجه أحسنيته أنه قُصَّ بأحسن الطرائق وأروع الأساليب، ليس فيه خيال ولا كذب ولا اختلاق، أو نقص عليك أحسن ما يُقص من الأنباء، لأنّها أنباء خير الخلق، وهم الرسل الكرام الذين أرسلهم الله لهداية الخلق، وفي أخبارهم عِبرة لأولي الألباب (بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ) أي بأن أوحيناه إليك (وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِين) أي والحال أنك كنت قبل نزوله عليك من الغافلين عما فيه من الخير، أو لم يخطر ببالك أن تكون يوما رسولا يأتيك الوحي من الله (إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ) إذ منصوب بفعل تقديره: اذكُرْ إذْ، أي اذكر لقومك إذ قال يوسف لأبيه، وهو يوسف بن يَعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، عليهم الصلاة والسلام، كما صحيح البخاري من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ K قَالَ: " الْكَرِيمُ ابْنُ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ، يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ " (يَا أَبتِ) أي يا أبي، والتاء فيه عوض عن الياء (إِنِّي رَأَيْتُ) أي في المنام (أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ) ذكر الشمس والقمر وخصهما بالذكر مع أنّهما من جملة الكواكب لشرفهما (رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِين) كرر قوله رأيتهم إما للتأكيد أو لطول الفاصل، وإما لأنه جواب على سؤال مقدر، كأن أباه قال له: كيف رأيتهم؟ فأجاب: رأيتهم لي ساجدين. (قَالَ يَا بُنَيَّ) تصغير ابني، وصغره إما لأنه صغير، أو من أجل المحبة والشفقة وكذا قرأ حفص عن عاصم، وقرأ الباقون: يَا بُنَيِّ (لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ) لأنه علم من رؤياه أن الله سيبلغه الله مبلغا عظيما، فإذا قصها على إخوته حسدوه، لأنّهم كانوا أحد عشر أخا، وهو رأى أحد عشر كوكبا تسجد له، فلا شك أنه سيتبادر إلى أذهانِهم أنَّهم هم الأحد عشر كوكبا، وأنّهم سيسجدون له، لأنه سينال مقاما عظيما، ويزاد على ذلك ما كان يخصه به أبوه من الإكرام والمحبة دونَهم، فلذلك نصحه أن لا يقص عليهم رؤياه (فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا) الفاء سببية، والمضارع منصوب بأن مضمرةً وجوبا بعدها، يعني فيحتالوا لإهلاكك حيلة عظيمة لا تقدر على ردها (إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ) أي ظاهر العداوة، فلن يتوانَ في إثارة غضب إخوتك وحسدهم وغيرتِهم، وإن نشؤوا في بيت النبوة، وهذا يرجح أنّهم ليسوا بأنبياء، ولكن لا يمتنع أن يتوب الله عليهم ثم يجتبيهم بعد ذلك بالنبوة، كما قال في آدم: "وعصى آدم ربه فغوى * ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى*". (وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ) أي يصطفيك ويختارك للنبوة أو غيرها، أي كما جرت سنته باصطفاء الأنبياء من قبلك (وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ) أي تعبير الرُّؤَى كما هو الظاهر (وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ) أي بالاصطفاء للنبوة ورفع الدرجات في الدنيا (وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ) أي أبنائه، فيستدل بِها على أنَّهم أنبياء، ولكن ليس ذلك صريحا، أو لأن إنعام الله عليه هو إنعام على آل يعقوب كلهم (كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ) إبراهيم جد أبيه، وإسحاق جده، والتعبير بالأب جار في كلامهم (إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) أي عليم بعباده، يصطفي منهم من يشاء حسب حكمته وعلمه بمحال الاصطفاء والاختيار، والله أعلم حيث يجعل رسالته.
تفسير سورة يوسف 7: مكيدة الإخوة لأخيهم يوسف: 
قال تعالى: (لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ * إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ، إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ * اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِين * قَالَ قَآئِلٌ مَّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ، وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِين * قَالُواْ يَا أَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ * أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون * قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُواْ بِهِ، وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ * قَالُواْ لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَّخَاسِرُونَ *) [سورة: يوسف - الآية: 7-14].
(لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ) أي في قصصهم (آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ) أي علامات عظيمة الشأن دالة على عظم قدرة الله تعالى، لمن يسأل عن هذه القصة، أو علامات دالة على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، للذين سألوه عن اقتصاصها من أهل الكتاب، حيث إنه تلقاها وحيا من الله، ولم يقرأها قبل ذلك من كتاب (إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ) أي أخوه من أبيه وأمه بنيامين، (أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ) أي هما أحب إليه ونحن جماعة قوية قادرون على السعي في خدمته دونَهما، حيث كان يحبهما ويقدمهما على سائر أبنائه (إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ) أي في خطأ واضح في الرأي حيث فضل هذين الصغيرين وهما لا يكفيانه شيئا من الأمور (اقْتُلُواْ يُوسُفَ) هو من تتمة كلامهم، وإنما أرادوا قتل يوسف دون أخيه بنيامين لأنه أحب الاثنين إلى أبيه، ولأنه هو الذي ظهرت عليه بعض الصفات التي من أجلها سيصطفيه ربه، فلذلك حسدوه (أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا) أي ألقوه في أرض بعيدة، والحاصل: اقتلوه أو غربوه (يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ) أي يقبل عليكم أبوكم بوجهه وتَسلَم لكم محبته (وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ) يعني وتتوبوا من بعد المعصية ويصلُح أمركم بعدها، وقيل: يصلُح لكم أمر دنياكم بزوال التنغيص الذي يسببه وجود يوسف (قَالَ قَآئِلٌ مَّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ) أي لا تقتلوه، وإظهاره لاستجلاب شفقتهم وتعظيم أمر قتله (وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ) أي في قعر البئر، وقرأ نافع: غيابات الجب (يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ) أي يأخذه بعض الجماعات التي تسير في الأرض، أي المسافرين، لأنّهم يلتمسون الماء، وإذا وجدوا البئر قصدوها من أجل الماء (إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ) أي إن كنتم عازمين مصرين على أن تفعلوا شيئا بيوسف (قَالُواْ يَا أَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ) أي بعدما صمموا على تنفيذ الخطة قالوا لأبيهم: أي شيء جعلك لا تأمنُنا على يوسف، ولا تتركه يخرج معنا (وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ) أي نحب له الخير ولا نفعل به إلا الخير (أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ) أي يأكل من الفواكه وغيرها ويشرب، وقرأ نافع " يَرْتَعِ" مجزوم بحذف الياء (وَيَلْعَبْ) أي بالاستباق ونحوه (وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) أي من كل مكروه (قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُواْ بِهِ) أي لقلة صبري على مفارقته (وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ) أي حال كونكم غافلين عنه باللعب والرتع (قَالُواْ لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ) أي ونحن جماعة قوية (إِنَّا إِذًا لَّخَاسِرُونَ) أي ضعفاء عاجزون لا نغني شيئا، أو لنستحق أن يدعى علينا بالهلاك والخسران والدمار.
تفسير سورة يوسف 15: إلقاء الإخوة لأخيهم يوسف في البئر: 
قال تعالى: (فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ، وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * وَجَاؤُواْ أَبَاهُمْ عِشَاء يَبْكُونَ * قَالُواْ يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ، وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ * وَجَآؤُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ، قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا، فَصَبْرٌ جَمِيلٌ، وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ *) [سورة: يوسف - الآية: 15-18].
(فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ) أي بيوسف (وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ) أي صمَّموا وعزموا على إلقائه في البئر، وجواب لما محذوف، تقديره: كان منهم ما كان، أو فعلوا ما فعلوا من ضرب يوسف ونزع القميص عنه ومحاولة قتله، وغيره مما ذُكر في الأخبار، والله أعلم (وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ) إما بالإلهام أو بإرسال الملك (لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ) أي لتنبئنَّهم بِهذا الأمر الذي فعلوا بك اليوم، أي بعد أن يُخلِّصك الله من هذه المحنة ويكون لك شأن آخر، وهم لا يشعرون بأن يوسف هو من يُخبرهم بالأمر، لأنه في ذلك الحين سيعلو شأنُه وسلطانه، وأيضا لبعد العهد بِهم عن رؤيته (وَجَاؤُواْ أَبَاهُمْ عِشَاء يَبْكُونَ) أي جاؤوا من دون يوسف، والعشاء ما بين صلاة المغرب إلى العتَمة، أي صلاة العشاء (قَالُواْ يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ) أي نتسابق بالعَدْوِ على الأقدام، أو بالرمي بالسهام (وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا) أي من الطعام والثياب (فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ) أي في حال غفلتنا عنه بالاستباق (وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ) المعنى: ولو كنا مصدَّقينَ عندك، فكيف وأنت لا تَثِقُ بنا، وأصل مثل هذا الكلام أن يكون التقدير: لن تصدقنا ولو كنا صادقين فكيف تصدقنا ونَحن كاذبون، أي كاذبون في نظرك، أو في الواقع، وهذا الكلام يشبه أن يكون كلام من كذَب لا محالة، ألا تراهم حين صدقوا قالوا: "وإنَّا لصادقون"، (وَجَآؤُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ) أي مكذوب، ووصف الدم بالمصدر مبالغة، كأنه الكذب عينُه، وقد روي أنّهم ذبحوا سَخلةً من الغنم فلطخوا بِها قميصه، فقال أبوهم: والله ما رأيت ذئبا أرحم ولا أحلم من هذا الذئب، قتل ابني ولم يُمَزِّق قميصه (قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا) أي زينت لكم أنفسكم أمرا فظيعا وسهلته لكم، يحسِبُه المرء هَيِّنا بغلبة الهوى، ولكنه عظيم، والتقدير: لستم صادقين، ولم يقتل ذئب ابني، بل قتلته ذئاب الإنس، (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) أي فأمري صبر جميل، فليس لي غيرُه من سبيل، والصبر الجميل هو صبر يشكو فيه إلى الله ولا يشكو إلى الخلق، ويرضى بما قضاه الله (وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ) أي والله الذي أطلب منه العون على ما نزل بي، مما تصفونه، كذبا كان أو صدقا.

الجمعة، 2 ديسمبر 2016

تفسير مريم 5

تفسير سورة مريم 51 ذكر الأنبياء: 
قال تعالى: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى، إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا * وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا * وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا * وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا * وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ، إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا * وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ، وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا، إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا * فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا * إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً، فَأُوْلَـئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً * جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدَ ٱلرَّحْمَـنُ عِبَادَهُ بِٱلْغَيْبِ، إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً * لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سَلاَماً، وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً * تِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً * وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ، لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذٰلِكَ، وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً * رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا، فَٱعْبُدْهُ وَٱصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ، هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً *) [سورة: مريم - الآية: 51-65].

(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا) بفتح اللام على أن الله تعالى أخلصه، أي اصطفاه، وقرأ الجمهور "مخلِصا" بالكسر، من الإخلاص في العبادة (وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا) أي من رسله وأنبيائه، أي مرسلاً من جهة الله تعالى إلى الخلق بتبليغ ما يشاء من الأحكام، والنبي: المنبئ عن الله تعالى بالتوحيد والشرائع (وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ) حين رأى نارا فقال لأهله: امكثوا، فذهب يبتغي من تلك النار قبسا (وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا) من المناجاة المسارَّة بالكلام (وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا) وذلك لما سأل ربه أن يعينه ويؤازره بأخيه، لتبليغ رسالته إلى آل فرعون، قال: "وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي رِدءا يصدقني إني أخاف أن يكذبون" (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ) روي أنه لم يَعِد ربه عِدَة إلا أنجزها، وما التزم عبادة قط بنذر إلا قام بها ووفاها حقها (وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا) (وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا) أي رضي الله عنه لاستقامة أقواله وأفعاله (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا) (وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا) هو شرف النبوة والزلفى عند الله تعالى، وروي أنه رفع إلى السماء، (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا) أي اصطفيناهم (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا) بكيا جمع باك (فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ) أي بإخراجها عن وقتها والإخلال بأركانها وخشوعها، وإذا أضاعوها فهم لما سواها من الواجبات أضيع لأنها عماد الدين وقوامه وخير أعمال العباد (وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ) أي أقبلوا على شهوات الدنيا وملاذها ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها (فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا)، والغي كما روي: نهر في أسفل جهنم يسيل فيه صديد أهل النار، والغي في الأصل الضلال، المعنى جزاء غيهم، أي سيلقون خسارا يوم القيامة (إِلاَّ مَن تَابَ) من رجع عن ترك الصلوات واتباع الشهوات (وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً) لا ينقص هؤلاء التائبون من أعمالهم التي عملوها شيئا (جَنَّاتِ عَدْنٍ) أي جنات إقامة (ٱلَّتِي وَعَدَ ٱلرَّحْمَـنُ عِبَادَهُ بِٱلْغَيْبِ) أي فهي من الغيب الذي يؤمنون به (إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً) أي منجزا، يأتيه من وعِد له لا محالة، (لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً) ليس فيها كلام ساقط تافه (إِلاَّ سَلاَماً) استثناء منقطع، أي لكن يسمعون سلاما (وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً) أي دائم  ينقطع (تِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً) أي يتقي الله بطاعته في فعل ما أمر وترك ما نهى  (وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ) عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل " ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟ " فنزلت "وما نتنزل إلا بأمر ربك" (لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا) ما قدامنا من الزمان المستقبل (وَمَا خَلْفَنَا) من الزمان الماضي (وَمَا بَيْنَ ذٰلِكَ) أي من الزمان الحال، فلا ننزل في زمان دون زمان إلا بأمره سبحانه ومشيئته عز وجل (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً) أي أنه محيط بكل شيء علما، أي ما كان عدم النزول إلا لعدم الأمر به ولم يكن عن ترك الله تعالى لك (رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَٱعْبُدْهُ وَٱصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ) أي اصبر على مشاقها ولا تحزن بإبطاء الوحي وكلام الكفرة، فإنه سبحانه يراقبك ويراعيك ويلطف بك في الدنيا والآخرة (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً) مثلا أو شبيها.

الخميس، 1 ديسمبر 2016

مريم 4

تفسير سورة مريم 41 ذكر إبراهيم عليه السلام: 
قال تعالى: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنْ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ، إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا * قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ، لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا * قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ، سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا * وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيًّا * فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ، وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا * وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا، وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا *) [سورة: مريم - الآية: 41-50].

(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ) أي اتلُ على قومك قصته (إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا) أي ملازم الصدق نبيا من أنبيائه (إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ) أي من الأصنام (وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا) أي لا ينفعك ولا يدفع عنك ضررا (يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنْ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ) أي وإن كنت أصغر منك (فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا) أي طريقا مستقيما موصلا إلى نيل المطلوب والنجاة من المكروه (يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ) لأن عبادة الأصنام هي عبادة له، لأنه هو الآمر بها (إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا) أي مخالفا مستكبرا عن طاعة ربه، فطرده وأبعده، فلا تتبعه فتصيرَ مثله؛ (يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا) أي قريناً تليه ويليك في العذاب، (قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ، لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ) لئن لم تنته عما أنت عليه من النهي عن عبادتها والدعوة إلى ما دعوتني إليه لأرجمنك بالحجارة (وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا) معطوف على مقدر، أي: أي فاحذرني واتركني دهرا طويلا (قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ) لا ينالك مني مكروه ولا أذى، وذلك لحرمة الأبوة (سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا) لطيفا، يستجيب دعائي ويهتم بأمري، حيث هداني لعبادته والإخلاص له، (وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ) أجتنبكم وأتبرأ منكم ومن آلهتكم التي تعبدونها (وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيًّا) خائباً ضائع السعي (فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ) أي ابنه إسحاق وابن ابنه يعقوب بن إسحاق (وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا) أي كل واحد من إسحق ويعقوب أو هما وإبراهيم (وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا) النبوة أو ما هو أعم منها من خيري الدنيا والآخرة (وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا) أي ذكرا وثناء فيمن بعدهم، وإضافته إلى الصدق ووصفه بالعلو للدلالة على أنهم أحقاء بما يثنون عليهم وإن محامدهم لا تخفى.

الأحد، 20 نوفمبر 2016

سورة مريم3

تفسير سورة مريم 29 قصة مريم عليها السلام: 
قال تعالى: (فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ، قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا * وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا * ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ * مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ، سُبْحَانَهُ، إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ * وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ، هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ * فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ، فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ * أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا، لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ * وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ، وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ *) [سورة: مريم - الآية: 29-40].

(فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ) أي إلى عيسى، كأنّها تقول: كلموه، (قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا) أي من هو صبي في المهد، والمهد حجر أمه أو سريره، وكان هنا لا تدل على الماضي (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ) أي الإنجيل (وَجَعَلَنِي نَبِيًّا) (وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا) أي نفاعا للناس، ومن نفعه إبراء الأكمه والأبرص (أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ) أي أمرني بِهما أمر مؤكدا (مَا دُمْتُ حَيًّا) (وَبَرًّا بِوَالِدَتِي) أي وجعلني بارا لها مطيعا (وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا) أي جبارا مستكبرا عن عبادته وطاعته وعن بر والدتي فأكون شقيا بذلك، (وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا) السلام الأمان والسلامة من كل الآفات (ذَلِكَ) أي الذي فصل نبؤُه وذكرت نعوته (عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ) (قَوْلَ الْحَقِّ) وقرأ الجمهور "قولُ"، أي الذي قصصنا عليك يا محمد من خبر عيسى هو الحق لا سواه (الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ) أي يشكون أو يتنازعون، أي المبطلون والمحقون ممن آمن به وكفر به، (مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ) أي ما استقام ولا صح ذلك، وفيه رد على النصارى (سُبْحَانَهُ) تنْزيه له سبحانه عما قالوه (إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ) بمعنى كيف يتخذ ولدا وهو غني، فاتخاذ الولد من علامات الحاجة والنقص (وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ) أي طريق التوحيد (فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ) أي من اليهود والنصارى، أي وقع الاختلاف بينهم، مع أن الحق ظاهر مفصل في كتبهم (فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ) أي من شهود أهواله، أو من شهادته عليهم بما اقترفوه (أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا) ما أسمعهم وما أبصرهم في ذلك اليوم حيث لا ينفعهم ذلك (لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) أي بُعد ظاهر عن الحق، حيث غفلوا عن الاستماع والنظر بالكلية، ووضع الظاهر موضع المضمر للتنبيه على أنَّهم ظالمون لأنفسهم (وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ) أي يوم يتحسر الظالمون على ما فرطوا في جنب الله (إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ) أي فُرغ من الحساب وذهب أهل الجنة إلى منازلهم وذهب أهل النار إلى منازلهم، روى الشيخان من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح، فينادي مناد: يا أهل الجنة، فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم هذا الموت، وكلهم قد رآه؛ ثم ينادي: يا أهل النار، فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم هذا الموت، وكلهم قد رآه، فيُذبح، ثم يقول: يا أهل الجنة، خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، ثم قرأ "وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون" (وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ) أي في الدنيا، أي هم في غفلة عما ينتظرهم من سوء العاقبة (وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) (إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ) فلا ملك لأحد غيرنا ولا حكم لأحد سوانا.

السبت، 5 نوفمبر 2016

9

تفسير الكهف 60 قصة موسى مع الخضر، وفضل الرحلة في طلب العلم: 
قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا * فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا، فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا * فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا * قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ، وَمَا أَنسَانِيهُ إِلاّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ، وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا * قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا * فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا * قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا * قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا * قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِرًا وَلاَ أَعْصِي لَكَ أَمْرًا * قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا * فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا، قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا * فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلامًا فَقَتَلَهُ، قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا * قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا * قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي، قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْرًا * فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا، فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ، قَالَ لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا * قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ، سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا *) [سورة: الكهف - الآية: 60-78].

(وَإِذْ قَالَ مُوسَى) أي اذكر إذ قال موسى (لِفَتَاهُ) وهو يوشَعُ بن نون، كما في الصحيح (لا أَبْرَحُ) لا أزال أسير، على أن برِح ناقصة، أو لا أترك ما أنا مهتم به من ملاقاة ذلك العبد الصالح، على أن برح تامة (حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ) وهما بحر فارس مما يلي المشرق، وبحر الروم مما يلي المغرب، (أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا) أي أو أمضي زمنا طويلا من السير، حتى أتيقن أنني لا ألقاه بعده، ويجوز أن تكون "أو" بمعنى: إلا أن، والمعنى: إلا أن أمضي زمنا طويلا أتيقن بعده أنني لن ألقاه. وكان سبب ذلك على ما الصحيحين من حديث أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن موسى رسول الله عليه السلام، ذكَّر الناس يوما، حتى إذا فاضت العيون ورقت القلوب، ولّى، فأدركه رجل فقال: أيْ رسولَ الله، هل في الأرض أحد أعلم منك؟ قال: لا، فعتَب عليه إذ لم يردَّ العلم إليه، وأوحى إليه أن عبدا من عبادي بِمجمع البحرين هو أعلمُ منك، قال: يا رب وكيف لي به؟ قال له: احمل حوتا في مِكْتل، فإذا فقدته فهو ثم، فانطلق وانطلق بفتاه يوشع بن نون، وحملا حوتا في مِكتل، حتى كانا عند الصخرة وضعا رؤوسهما وناما، فانسل الحوت من المكتل، فاتخذ سبيله في البحر سربا "، قال تعالى: (فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا) وذلك كما في الصحيحين أن موسى قال لفتاه: لا أكلفك إلا أن تخبرني بحيث يفارقك الحوت، قال: فبينما هو في ظل صخرة، إذ تضرَّب الحوت وموسى نائم، فقال فتاه لا أوقظه، حتى إذا استيقظ نسي أن يخبره، وتضرب الحوت حتى دخل البحر، فأمسك الله عنه جِرية البحر، قال تعالى: (فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا) أي مسلكا كالسرب وهو النفق (فَلَمَّا جَاوَزَا) أي مجمع البحرين (قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءنَا) وهو الحوت الذي حملاه ليأكلاه، والغداء: طعام الغُدوة، وهي أول النهار، (لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا) أي تعبا وإعياءً، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ولم يجد موسى مسا من النصب حتى جاوز المكان الذي أمر به " (قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ) أي من أجل النوم، (فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ) حيث أحياه الله فتحرك واضطرب ودخل في البحر (وَمَا أَنسَانِيهُ إِلاّ الشَّيْطَانُ) وقرأ الجمهور: "وما أنسانيهِ" أي ما أنساني أمر الحوت إلا الشيطان (أَنْ أَذْكُرَهُ) بدل من الهاء، أي ما أنساني أن أذكر لك أمرَ الحوت إلا الشيطان، (وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا) أي اتخاذا عجبا، أو سبيلا عجبا، أو المعنى: أعجبُ عجبا، (قَالَ ذَلِكَ) أي فقدان الحوت (مَا كُنَّا نَبْغِ) أي نبغي، أي ذلك ما نريده، وذلك أنّهما حملا الحوت ليأكلاه، ولكن أخبرهم المولى أن علامة ذلك المكان هي فقدان الحوت، فلما طلبا الحوت للغداء وجداه مفقودا، (فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا) أي رجعا على طريقهما من حيث جاءا يقصان آثارهما (فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا) هو الخَضِر عليه السلام، اختُلف هل هو نبي أو ولي، لكن قوله تعالى: (آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا) وهي الوحي والنبوة على رأي الجمهور (وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا) أي علما عظيما وهو علم الغيب، وأسراره الخفية ـ يدل على أنه نبي، كما ذهب إليه الجمهور. (قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا) أي علما ذا رشد، وهو العلم النافع، (قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا) أي على تعلم هذا العلم (وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا) أي ما لم يُحط به علمُك، وفي الحديث الصحيح: أن الخضر قال لموسى: " يا موسى إني على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه أنت، وأنت على علم علمكه لا أعلمه " (قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِرًا وَلاَ أَعْصِي لَكَ أَمْرًا) أي أمرا من الأوامر (قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا) أي حتى أبتدئ بالتحدث عن ذلك الأمر، أي مهما أنكرت من أمري لا تتحدث حتى أحدثك أنا، وقرأ نافع: "فلا تسألنِّي" (فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا) وفي الحديث " فانطلقا يمشيان على ساحل البحر، فمرت بِهما سفينة، فكلموهم أن يحملوهما، فعرف الخضر فحملوهما بغير نَول، فجاء عصفور فوقع على حرف السفينة، فنقر نقرة أو نقرتين في البحر، فقال الخضر: يا موسى ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كنقرة هذا العصفور في البحر، فعمد الخضر إلى لوح من ألواح السفينة فنَزعه، فقال موسى قوم حملونا بغير نول، عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها ؟" قال تعالى: (قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا) أي فعلت وأتيت أمرا عظيما، من أمِر الأمر: أي عظم، (قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا) أي قد قلت لك ذلك (قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ) أي بنسياني لوصيتك، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " فكانت الأولى من موسى نسيانا " (وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا) أي لا تحملني من أمر اتباعك صعوبة ومشقة، (فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلامًا فَقَتَلَهُ) وفي الحديث: " فانطلقا فإذا غلام يلعب مع الغلمان، فأخذ الخضر برأسه من أعلاه، فاقتلع رأسه بيده " (قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً) أي طاهرة من الذنوب، لأنه غير بالغ، وقرأ آخرون: "زاكيَةً" (بِغَيْرِ نَفْسٍ) أي لم تقتل نفسا فتستوجبَ القصاص منها (لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا) أي منكرا جدا، (قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا) زاد لك في هذه، للتأكيد على عجزه عن الصبر، لإصراره على عدم الالتزام بالوصية، (قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْرًا) أي عذرا عظيما لعدم مصاحبتي وبلغت الغاية، (فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا، فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ) أي يشرف على السقوط، (فَأَقَامَهُ) أي مسحه بيده فأقامه، وفي الحديث: " قال الخضر بيده فأقامه " (قَالَ) أي موسى للخضر (لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا) أي لأخذت أجرا على عملك، لأنّا استضفناهم فلم يضيفونا (قَالَ) أي الخضر لموسى (هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ) أي هذا الاعتراض فراقٌ بيننا، أو هذا الوقت وقت فراق بينَنا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " يرحم الله موسى، لَودِدْنا لو صبر حتى يُقَصَّ علينا من أمرهما " (سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا) أي بمآل ما لم تصبر عليه، وهو خرق السفينة وقتل الغلام، وإقامة الجدار، والله المستعان.

الجمعة، 21 أكتوبر 2016

سورة مريم 2

تفسير سورة مريم 16 قصة مريم عليها السلام: 
قال تعالى: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا * فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا * قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا * قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا * قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ، وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا، وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا * فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا * فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ، قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا * فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا * وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا، فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا، فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا * فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ، قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا * يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا *) [سورة: مريم - الآية: 16-29].

(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ) أي نبأها وقصتها، خطاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا) أي انعزلت عن أهلها وأتت مكانا شرقيا من دارها، أو من بيت المقدس، أي اذكر لقومك ما جرى لها إذ انتبذت (فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا) أي استترت وتوارت منهم، (فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا) أي جبريل عليه السلام، (فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا) أي فتصور لها على صورة إنسان سوي الخلق كامل البنية، روي أنه تمثل لها في صورة شاب جميل أمرد وضيء الوجه، (قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ) أي ألتجئ إليه أن يحفظني منك، لأنّها كانت خائفة منه إذ فاجأها في مكان منفرد عن أهلها، (إِن كُنتَ تَقِيًّا) أي إن كنت ممن يتقي الله فابتعد، فقد ذكرتك بالله، (قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ) أي ملك مرسل من ربك الذي تعبدين، والذي يتولى أمرك، وهو الذي استعذت به مني، ولست بشرا تتوقعين منه الشر (لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا) لأكون سببا في هبة غلام طيب لك، وقرئ: "لِيَهَب"، أي الله عز وجل، (قَالَتْ أَنَّى) أي كيف (يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ) أي بطريق الحلال (وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا) أي زانية (قَالَ كَذَلِكِ) أي كذلك الأمر،  يفعل الله ما يشاء لا راد لأمر الله، (قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ) أي سهلٌ علي إيجاده بقدرتي من غير مباشرة بشر، (وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ) أي علامة يستدلون بِها على عظم قدرتنا (وَرَحْمَةً مِّنَّا) أي إحسانا عظيما بأن نجعل هذا الغلام نبيا من الأنبياء، يكون سببا لهداية الخلق (وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا) أي كائنا لا محالة، لأنه مقدر مكتوب في اللوح، (فَحَمَلَتْهُ) وذلك بعد أن دنا منها جبريل ونفخ في جيب قميصها، فنفذت النفخة في جوفها (فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا) أي اعتزلت به بعيدا عن أهلها، وذلك عندما أثقلت، فاستحيت وهربت حياء من قومها (فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ) أي ألجأها الطلْق، وهو وجع الولادة، إلى جذع نخلة، والمراد نخلة معينة، وإن لم يعلمها المخاطبون بالقرآن (قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا) أي قبل هذا الذي لقيت، استحياء من الناس، وخوف ألسنتهم (وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا) أي شيئا تافها لا يُعتدُّ به (فَنَادَاهَا) أي جبريل (مِن تَحْتِهَا) أي من مكان أسفل منها، وقرئ "من تحتَها"، والمراد به جبريل، وقيل: الغلام الذي ولدته، أنطقه الله حين الولادة (أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا) أي جدولا من ماء (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ) أي حركيه يمينا وشمالا، إليك أي إلى جهتك (تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا) أي تُسقطْ عليك رطبا مجنيا، والرطب نضيج البُسر (فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا) أي طيبي نفسا ولا تحزني، وأصله من القر وهو البرد، لأن دمعة السرور باردة (فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا) أي صمتا وإمساكا عن الكلام، أي إن سألك أحد عن شأنك وما جرى لك فلا تجيبيه، (فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا) أي آدميا (فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ) أي ولدها (قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا) أي عظيما (يَا أُخْتَ هَارُونَ) هو رجل صالح في بني إسرائيل، يعنون أخته في الصلاح، وهذا منهم على سبيل التهكم بِها (مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا) أي أنت من بيت طيب طاهر معروف بالصلاح والعبادة، فكيف صدر هذا منك